الناقدة والأديبة سالمة المغربي
الناقدة والأديبة سالمة المغربي

“شراعة الحب”……. بقلم الناقدة والأديبة \ سالمة المغربي

تعرفت على مزايا الوقوف أمام أو خلف عتبة باب الشقة، كنت أظنها لقضاء وقت فراغ ربات البيوت وتتبع أخبار الغادي والبادي والقيل والقال والسؤال عن الحال والأحوال، إلى أن بلغ اهتمامي بجاري الشاب الذي يكبرني بأعوام خمس، والذي حُرمت اللعب معه ومع غيره من الذكور منذ عام، تحديدا يوم أعلنت ليمونتان عن ظهورهما بوضوح، مما جعل أبواي يشددان في قرار الانفصال الغاشم بيننا، كنت أتمنى أن تظهرا لأكون مثل أختي الكبرى؛ فتهتم أمي بي وتعلمني أصول الحياكة و غرز التريكو وفن الكروشيه.
لكن لم أكن أعلم أن الليمون يمنعنا الحب البريء، بل أيضا يفتح أعيناً ويسيل لعاب أفواهٍ بمجرد مروري بجوارهم، وكلما أطلقت_زغرودة_ بالشارع؛ أسمع دعوات الجارات لأمي بأن يرزقني الله بالزواج الصالح.
تعلمت العشق من خلف الباب، بجوار_ الشراعة_ وأتقنت فناً آخر غير جدل الخيط، فن التنصت، نعم لقد اكتشفته فناً وأدمنته، بأذني.. بل بكل حواسي أسمع وأستمتع بوقع خطواته على درجات سلم البيت، أربعون درجة كاملة، عشرون من أول عتبة البيت إلى شقتي، ثم عشرون إلى شقته.
يعزف بالقفز عليها كما كنا صغارا نفعل، فأعلم أن ليس بالطريق أحد، فأخرج إليه ومعي_ مقشة_ و أتصنع أني أكنس الطرقة أمام الشقة، يتظاهر أيضا بأنه يزيل التراب عن ثيابه، فيرميني بسهمه، يهمس بكلمة واحدة، فأنسى كم قضيت من الوقت واقفة معطلة المقشة، حتى تناديني أمي أو أختي، لكي أنتهي (وحشتيني).
وحشتيني.. هي كلمة لكنها بكل كلمات الحب التي تغنى بها عبدالحليم و هاني وشادية.
الآن أقولها_وحشتني_ لكن لمن؟ هل يسمعها هو، أم السراب الكامن في قلبي؟
عدد الخُطاب في تزايد، والرفض من قبلي أزود، حتى تخرج من الجامعة، ذهبت أمي لتبارك لأمه، نزلت تحمل معها ثلاثة أكواب من الشربات وصاعقة كادت أن تودي بحياتي.
سمعت أختي تبكي من أجل حبي خلف باب الشقة، تمسح بيديها آثار التصاق يدي وشعري لسنوات عليه، أمي في المطبخ تخرط البصل ليختلط الدمعان، أما دموعي؛ أبت النزول والتنازل عن عرينها، ربما لم تصدق خير خطوبته لابنة خاله، أو ربما كرامة السنوات التسع تأبى الاستسلام.
في يوم.. سمعت وقع خطوات على السلم، خطوات أعرفها، بل أعشقها، تتبعها خطوات كعب نسائي رشيقة، واربت الشراعة، كانت هي معه، وقلبي بيده، أحسست به وهو يحاول لمس الباب بحجة أنه يقدمها عليه في الصعود.
تفضلي يا دكتورة.
دكتورة مثله، و أنا لا شيء، لقد تركني التعليم لمخلفات عقل أبوين بعد حصولي على الشهادة الإبتدائية.
ولأول مرة في فترة شبابي أتجرأ و أكلمه وجها لوجه وبغضب شديد، مبارك.
مبارك.. هذا اسم أبيه، كنت الوحيدة التي تناديه به دون الرفقة، فكان يضايقه إن سمع غيري يناديه به، يشعر أنه اسم قديم مقارنة باسمه_هيثم_ هيثم مبارك.
لم يرد، بل وقف دقيقتين ولم يلتفت إلى الوراء، بل ترك يدها واحنى رأسه، حتى أكملت الجملة:
_مبارك يا دكتور هيثم.
التفتا سويا وفي صوت متحد، ردا التهنئة، هو لا يعلم أو ربما علم لاحقا أن قلبي سقط من يده للأبد، فكان الموت البطيء قدري.

قدري.. جاء من أقصى الصعيد ليسكن بالغرفة السفلية بجوار باب الشارع، اعترضت أمي أن يسكن أعزب ببيت فيه عذراء، لكن الماديات تحكم، خاصة بعد موت أبي وزواج أختي، تعطل محل البقالة الخاص بأبي والكائن بالدور الأرض، بجوار قدري.
ذات مساء.. طرق بابنا، استقبلته أمي و أعددتُ لهما الشاي، رأيت علامات السرور على وجهها، بعد أن خرج، علمت أنه استأجر المحل منها، فرحت أنا الأخرى رغم خطأ توقعي بأنه أتى خاطبا.
مرت شهور.. سمعت بأن ابن مبارك رُزق علياء لم أسعد باختياره اسمي لابنته، لقد أحيا عذابي من جديد، وهل كان ميتا؟ أم تصنعت موته لتعيش علياء؟!
علياء.. اسم جميل لوجه أجمل، كانت تلك الجملة التي نطقها مباشرة لي قدري، واتبعها استئذان مني ليخطبني من أمي، لم أفكر لحظة، لا في الاعتراض ولا حتى الرد، فقال الجملة المشهورة(السكوت علامة الرضا).
لم يعلم أن السكوت نزف محال سد شرايينه أعتى الأطباء.
وهل لي طبيب غيره مداوي؟
خطبة فزواج، كنت تجاوزت العشرين، ولم ألقب بالعنوسة، هذا ما قالته أختي وهي تحمد الله على ذلك يوم زفافي.

زفافي .. كان بسيطا، لقد سكنا في شقة أمي، لم أُحرم سماع خطواتهم_الثلاثة_ هو وهي وعلياء الصغيرة، حين يزور أمه مرة كل شهر، وبالتحديد أول الشهر الساعة الخامسة بالثانية، ثقلت خطواتهما بسبب صغر وقصر خطوات طفلتهما، فكنت أستمتع بصوتها الجميل وبعبارات والدها(حبيبتي يا علياء).. فكنت أرد همساً من خلف الشراعة:
_ بل أنت حبيبها.
اهتم بزوجي وأعطيه حقه كاملا، ولكني منعت عنه قلبي، كان يرضيني، كنت أرى بعينيه كسرة، حين تدعو لنا أمي بالخلف الصالح، أشار علي يوما بأن تعالجني دكتور_ نهى_ زوجة هيثم، بعيادتها الخاصة، لم أكن أعلم تخصصها، لكني وجدتها فرصة لأراها عن قرب بعد زواجها بأعوام خمسة.

خمسة.. رقمي بالكشف، دخلت عليها وقلبي ينتفض، أخاف أن تكتشف ما به لا بما في رحمي، تمددت على السرير لتفحصني، فإذا بطرقات خفيفة على باب آخر غير الذي ولجت من خلاله، ثم بعدها يدخل هو ويسألها عن جهاز مشترك بينهما يستعملانه باللغة الإنجليزية، فتستدعيه ليرى شيئا على جهاز_السونار_ أخفيت وجهي بالملاءة، فسألها عن مدة زواجي وهل بزوجي عيب، وكانت ترد عليه من بياناتي على الورقة.
اقترب مني ليربت على كتفي فوجدني مغطاة وجهي، ظن أني منتقبة.

منتقبة.. فكرة جميلة أوحاها إلي، كنت أتابع علاجي لديها، وأتمنى أن يدخل علينا لأراه مرة أخرى، وهو بالتأكيد لم يتعرف عليّ بنقابي.
ذات يوم.. اعتذرت عن الكشف لظرف طارئ، ونبهت علينا الممرضة بأن من تريد تأجيل الكشف تأخذ ورقة بالموعد الجديد، ومن تريد متابعة كشف اليوم عند دكتور هيثم ستدخل بنفس الرقم الذي بحوزتها بالكشف، الكثيرات انصرفن، وثلاث حالات بقين و أنا منهن، جاء دوري وكان الأخير.
حدثته من وراء النقاب، لكنه اكتشفني من خلال ملفي وصوتي، فكان ينصت إلي ولا ينظر، كنت أرى استمتاعا يخط على وجهه علامات الشوق والارتياح.
أرد على أسئلته الطبية، أنفاسي وضربات قلبي، كلها ضلت الطريق،أرد على أسئلته الطبية، أنفاسي وضربات قلبي، كلها ضلت الطريق، هو على المكتب يسطر حروفا ورسومات ليس لها علاقة بالعلاج، تعريجات تذكرني بلعبة السبع طوبات التي كنا نلعبها، سهم وقلب يدمي كما كنت أرسمه على جدار البيت من الداخل خلف باب الشارع، وكنت أجده يمسح اللون الأحمر_ الدم_ بطباشير أبيض ليسعدني؛ فأحبه أكثر. أكثر من هذا لا احتمل الجلوس أمامه، وقفت وأمسكت الورقة وضممتها إلى صدري، خرجت وفي قلبي نية العودة لأشفي مرض قلبي. قلبي.. لم أتوقع أن اليوم الذي ملكت فيه برهانا جديدا بأنه ما زال يحبني، هو ذاته الذي اكتشفت فيه أني أحب زوجي، رجعت البيت وجدته طريح الفراش، يشكو آلاما ببطنه، يتقيأ ويرتعش والحمى تفعل به الأفاعيل، تأثرت من أجله حتى وجدتني أنا الأخرى أتقيأ، ذهبت به إلى المستشفى، ورجعت به أحمله في قلبي، كانت نظراته تقول الكثير، نام وسهرت الليل أفكر وأراجع شريط حياتي معه لأكثر من عامين، رأيتني نصف أنثى، لا أنا عشت مع حبيبي ولا أنا التي تعيش زوجة لرجل محترم مثل قدري. ناداني وهو في غيبوبة من فعل السخونية، تعالي لأملي عليك وصيتي. وضعت إصبع السبابة على فيه، بعيني رجوته السكوت، عاودني القيء مرة أخرى، أصرت أمي بأن أراجع الطبيبة. مبارك.. سمعتها؛ فضحكت، كررتها مرتين. مبارك.. أنت حامل. كانت ضحكتي الجديدة لها معنى وشكل آخر جديد، أنا أم.. إذن لابد وأن أكون زوجة أولا. طلبت من زوجي السكنى ببيت جديد، بعيدا عن بيت كل ذكرياتي فيه هي درجات السلم وشراعة باب الشقة؛ وافقني، وبعد قضاء مراسم دفن أمي وأنا بالشهر السادس، بيع البيت و أخذت نصيبي، اشترينا شقة، ودفعنا مقدم شراء محل جديد تم افتتاحه يوم سبوع ابننا محمد الذي أعده ليكون تاجرا أمينا ذات يوم مثل أبيه.

عن misr

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>