الناقدة والأديبة سالمة المغربي
الناقدة والأديبة سالمة المغربي

“خطوات”….. للناقدة والأديبة \ سالمة المغربي

بيني وبينه خطوة واحدة، لكنها صعبة، كأولى خطوت طفل انفلت من قبضة الحبو إلى السير، لا أخاف التعثر ولا الانبطاح، ربما خفت الاقتراب أكثر.
الخطوة التي قيل عنها هي بداية مشوار الألف ميل؛ أظنها هي نهايته، احتجت مشورة أمي.
قالت:
_الاقتراب من المُحب احتراق، الحب عن بعد آمن.
رأيتها ذات مساء، وهي تخالف أقوالها بأفعال، كانت بغرفة مكتب أبي تكتب إلى أحدهم خطابا، تقرأ ما تكتب بصوت ضعيف، تواعده فيه، وبعد سويعات تتسلل خارجة من البيت في ذات الموعد، معطرة ومتزينة وكأنها عروس، أراها تجلس خلف الشجرة الكبيرة بحديقة منزلنا، ضحكاتها وغنجها أسمعه وأنا بالنافذة أتلصص عليها.
تعود وتمر وأنا بمكاني، لا تعيرني أدنى اهتمام.
في الصباح.. أصف لها المشهد ولكن بأبطال مختلفين، فتنصحني بأن المصارحة والاعتراف واللقاءات بين المحبين أفضل من كتمها؛ فكتمانها يؤدي إلى انحراف سلوكي، وكأن المشهد لم تقم بأداءه منذ ساعات!
ليلتها.. رأيتها تخالف بالفعل ما تقوله، تتسلل ونحن نيام؛ تسترق من الليل دقائق تقضيها في صمت أمام شاشة اللاب توب؛ لتشاهد بعض مشاهد من أفلام ربما حُرمت من أداء دور البطولة بمثلها في واقعها.
أردت أن أحكي لها المشهد كسابقه، لكني كرهت دور المشاهد، والراوي العليم لها، وليس بيدي حيلة.
قررت اليوم أن أخطو معها كل خطوة، ربما تعترف أو تتراجع عن فعلها.
لم تخرج صباحا إلى الشجرة ولا مساء إلى غرفة المعيشة التي بها اللاب توب، فضولي حرضني على التنصت عليها وهي في غرفتها؛ سمعتها تحدث رجلا عبر الهاتف:
_ وحشتني.. أعوام كثيرة لم تلمس كفك جسدي، ولا لهثت أنفاسك مع أنفاسي في لقاء حميم، غدرت بي بلا وداع، ولن أسامحك أبدا.
سعتها تبكي بحرقة، ثم أغلقت الهاتف، واستسلمت للنوم.
قررت مصارحتها.. رسمت خطوات للمباغتة، انتقيت عبارات ماكرة لأوقع بها تحت مقصلة الاعتراف؛ نجحت في سبر أغوارها، صدمتني بقولها:
_ كنت أعلم بتنصتك، وتتبع خطواتي، لست خائنة يا بنيتي، تعالي معي.
جذبتني من يدي إلى الشجرة، مدت يدها في كوة بها، أخرجت العشرات من الخطابات كانت تكتبها لأبي لا لغيره؛ وضعتها بيدي، ثم أخذتني إلى غرفة المعيشة حيث اللاب توب، وضعت الإسطوانة داخله؛ شاهدت مشهدين لأبي يغازل فيهما أمي بحميمة بالغة، اصطحبتني لغرفتها حيث هاتفها، استعلمت أمامي عن آخر رقم؛ المفاجأة كان الرقم يخص أبي، ضغطت على زر الاتصال؛ فكان الرد (الهاتف خارج نطاق الخدمة).
سألتها:
_ كنت أظن أنه معذبك، ولهذا تتطلعين لغيره، ربما يسعدك.
ردت بحزن وانكسار:
_ حتى التعاسة التي بها قليل من الحب، نشتاق إليها إذا غابت عنا كثيرا.
_ منذ متى؟
_ منذ أن توفي أبوكِ.

عن misr

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>