الناقده والدكتوره " سوزان اسماعيل" و الكاتب والدكتور "زهير سعود"
الناقده والدكتوره " سوزان اسماعيل" و الكاتب والدكتور "زهير سعود"

قراءة نقدية للكاتبه والدكتور “سوزان اسماعيل ” فى نص “إيماض” للكاتب والدكتور ” زهير سعود”

’’ إيماض ’’
حظي بقارورةٍ.. سكب فيها حبرهُ. ملأها بخرقة جدّه… على شظيةٍ قرأوا: “ديك الجن”!.
د. زهير سعود

____________________________________________________________________________________

قراءتي:
_______

العنوان:
=====

إيماض : مصدر أَومَضَ
أَوْمَضَ : أَشار إِشارةً خفيّة رمزًا أَو غمزًا
ويقال وميض البرق
إنَّ الْمُنَافِقَ لَا تَصْفُو خِلِيقَتُهُ … فِيهِ مَعَ الْهَمْزِ إِيمَاضُ وَإِيذَاءُ
سَيْلُهُ يَقْصِدُ العِدَى وَتُجاهي … خُلْفُ إيماضِ بَرْقهِ وجُمُودُهْ
والإيماض يقصد هنا بها الكاتب نوع من النسيج الأدبي، الومضة القصصية، فهي تلمع بالفكرة كالبرق.

جسد النص أو البنيان:
=============
عبر الكاتب النص بضمير الغائب فهو يتحدث عن شخص عثر على قارورة، سكب حبره.. بالعودة على بدء من جهة العنوان ومن جهة الحبر فكاتب النص يتحدث عن كاتب آخر أدخل بهذه القارورة خرقة جده.. فانفجرت وتشظت .. ليظهر على شظية اسم ديك الجن.
القارورة هنا إذا ربطناه بالعنوان فهي وعاء يضع البطل حبره فيها، وهنا نستشف أن هذا الوعاء نوع من النسيج الأدبي ( قصة ـ شعر – خاطرة ).. وبما أن العنوان إيماض فالكاتب يقصد القصة القصيرة جدا، سيضع فيها هذا الكاتب عصارة فكره وثقافته.
لكنه للأسف ملأها بأفكار جدِّه الجامدة ( خرقة جده ).. فتشظت القارورة، لأن الققج لا تتحمل الأفكار البالية والموروث القديم، فهذا النسيج الأدبي يعني التمرد على الواقع المعاش وانقلاب ضد الأفكار المقولبة، وعليه
العثور على شظية كتب عليها ديك الجن ينقلنا الكاتب إلى تناص.. يجب أن نفقه ماذا يريد منه، ولن نفهم المراد إلا إذا رجعنا إلى معرفة هذه الشخصية التي اشتهرت بعالم الأدب.

#ديك #الجن: هو شاعر عباسي من حمص السورية واشتهر بأنه أشعرالشعراء، وقد كان يمتلك وافر علوم عصره، اتهم بالاستهتار، واتهموه بممارسته الملذات المادية بكافة أشكالها، لأنه تحدى القيم المجتمعية آنذاك وتمرد على موروثه من فكر ديني مغلق وعادات بالية سائدة.
عاش ديك الجن في أوساط أسرة متعلمة معروفة، فكان من الطبيعي أن يُدفع الصبي إلى المسجد، حيث حلقاتُ الدرس ومجالسُ العلماء. وفي المسجد تَلَقَّى علوم عصره، فوعى علوم اللغة والأدب والدين والتاريخ، وحصّل كَمّاً جيّداً من المعارف، كان موضع فخره، فهو يقول :
’’ ما الذّنْبُ إلاّ لجدّي حين وَرَّثني علماً وورَّثَهُ مِن قبلِ ذاكَ أبي’’
أنّ من أطرف المواقف من ديك الجن ومعتقده، موقفَ أبي العلاء المعري الذي كان متعاطفاً مع أخيه في الشعر، ولذلك فقد منحه البراءة من تهمة الإلحاد.
لقد سعى كبار شعراء عصره لزيارته والاتصال به أمثال أبي نواس ودعبل الخزاعي وأبي تمام، واتهم المتنبي بالاقتباس منه.

ماذا يريدُ كاتبُ النّص بذكره ديك الجن؟!.
الوجهة الأولى: اسم ديك الجن تأكيدُ صلةٍ بين الجنس الأدبي وهذا الشاعر المتسّم بثلاث خصال:
أولها شاعريته المميزة والمتمرّدة على الواقع
وثانيها رفضه التقليد وثورتُه على مفاهيم الدين
وثالثها ابتكاره في تركيبه الشعري.
الوجهة ثانية: إن الجنس الأدبي الققج يلفظ التعامل معه وفق الصيغ الكثيرة التي تحشر فيه علوم تقليدية وقيم دينية وهو ما يأباه هذا الفن المتمرد ليس على أصول الكتابة القديمة فحسب بل والأفكار أيضاً ما جعل مصير هذا الفن مشظى بأصحابه.
هناك أمران نلاحظهما:
1ـ أن القارورة مثلت نهج ديك الجن والمقصود بها هنا القصة القصيرة جدا، القارورة رفضت خرقة الأجداد فتشظت كما تتشظى الققج إذا وضعت فيها الأفكار السائدة الموروثة.
2ـ الوعاء الرافض: الققج تلفظ الموروث الجامد ، وديك الجن الرافض للقيم الموروثة
إذا كتابة ديك الجن على القارورة هو تذكير بنهجه الإبداعي الرافض للموروث وهو الذي يناسب الققج، ووضع الخرقة تأكيد لاستمرار النهج وعدم الاكتراث بدرس ديك الجن، وهو تناقض لا يناسب الققج
فبالنتيجة ضياع الأدب، وقتل فن القصة القصيرة جدا الوليد في مهده.
فالتذكير بنهج ديك الجن الذي ناسبه بعصرنا الققج كلاهما رفض الموروث ولم يقوَ عليه.
وإصرار كتبة الققج على حشر الموروث فيها فتشظيها وقتلها هو مانراه لرفضها الموضوعات.
وهذا تأكيد بأن الققج صيغة كتابية ذات توجه صدامي رافض للموروث وبدون وجهتها لاقيمة لها.

النتيجة:
نص رائع يتسم بالتمرد ويعيب على الكتاب الذين تقوقعوا بموروثهم الجامد والذي كبل العقل، وماهو إلا دعوة إلى تحرر العقل، وخلع الأسمال البالية، وفهم فن القصة القصيرة جدا كنسيج أدبي له سماته وخصائصه.
النص كتب برمزية وحرفية عالية، وبسرد سهل ممتنع، ابتعد عن الصور الشاعرية وأعمل إشغال الفكر بالتيمة والمقصد. وأهم معالمه الحذف والإضمار، المفارقة والسخرية، التناص وتشغيل المعرفة الخلفية، ولقد تجاوز الدلالات النصية إلى دلالات سيميائية، وهو مثير للفضول، ودفعني إلى البحث والتقصي والتأويل والتخيل، والبحث عن مضمراته ومقاصده.
تحياتي وتقديري د. زهير سعود

عن misr

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>