الناقده والدكتوره  عبير خالد
الناقده والدكتوره عبير خالد

الكاتبه “سلمى المغربى ” تحلل قصة “ليلة نام فيها الأرق” للناقده والدكتوره ” عبير خالد”

القصة تحكي مأساة امرأة أرمل مع الأرق، و محاولاتها لاستجلابه حتى تنازلت عن تناول المنبهات ليلا تبعا لنصيحة الصديقات.
فشلت جميع المحاولات حتى الهدهدة و الاسترخاء، و كأي أنثى كلمات أمها ترن في أذنيها وقت الحاجة إليها، و تتذكرها وقت المحنة كعطشى للماء، راوتها فكرة كانت تتبعها أمها؛فبادرت إلى تنفيذها.
كانت الفكرة بسيطة و جميلة و هي أن ترتدي ثوبا و حذاء جديدين.
و بدأت رحلة البحث داخل الخزانة، انتهت بأنها حظيت بثوب زفاها و حذاء ابنتها، وقفت أمام المرآة و قارنت بين زمنين و رأت تأثيرهما على جسدها، كانت واقعية و راضية عن حالها، صالحها النوم؛ نامت كطفلة تحلم بمجيء العيد.
========== انتهى الملخص و إليكم بالتحليل.
* لا يخفى عن الجميع قدرة الدكتورة عبير في النقد و أيضا في كتابة نصوص لها مذاق خاص.. فلكل كاتب أسلوب يخصه سواء قديم أو حديث، المهم أن يبرع فيه و يكون سرده ممتع ليستمر القارئ في حالة تواصل و انسجام مع النص للنهاية.
نعود للقصة القصيرة من البداية ،كالعادة يكون العنوان ذات أهمية إذ نعده مفتاح القصة الذي يجب أن يكون مناسبا ملائما للنص، فكان العنوان (ليلة نام فيها الأرق).
الليل أو الليلة تبدا بمغيب الشمس إلى قبيل الفجر تقريبا، و هو وقت السكون و النوم و الراحة، أتت بقية الجملة بكلمة نام و هو الفعل الطبيعي للكائنات و أمها البشر، ثم تصدمنا بكلمة تنافي المعنى الحقيقي و المنشود من الليل و النوم، ألا و هي (الأرق).
تلك الكلمة تعد بطلا مشاركا للشخصية الأولى بالقصة و هي المرأة الأرمل.
لقد وصفه الأديبة العنوان مع الحالة في السرد و نجحت به.
بدأت القصة بحرف (لم) للنفي و كأنها تصف الحالة _ و هي الراوي_ بأنها عجزت عن النوم عجزا كاملا.
الأرق لم يكن وليد الليلة و لا بالضيف الجديد، لكنه هذه الليلة كان الضيف الثقيل الذي فرض نفسه على البطلة، حاولت بكل الطرقةإقصائه؛ فشلت.
أتت الأديبة بعبارات دالة بقوة عن مأساة المرأة منها:
_ كلما حاولت الارتخاء في أرجوحة الحلم بعد استغفار و تسبيح.
وصفت الحلم بأن له أرجوحة، هذا يدل على بذل الجهد بتذكر بعض الحالات و الذكريات التي من شأنها تهدهد العقل لينام.
_ قض مضجعها لسعة باردة.
تقصد بها الفقد و آلامه، إذ أن زوجها توفي منذ ثلاثة أعوام، فتشعر ببرد المكان و برد المشاعر أيضا، فكان ذلك من أسباب الأرق الغير مباشرة.
_ تقطع الدكتورة عبير سردها بسؤال يؤرق البطلة دوما و تتعجب منه:
لماذا تبرد الأماكن عندما يغادرها أصحابها؟
هذا السؤال مؤلم حقا، فالأماكن و إن كانت جوامد؛ لها أن تتأثر كما تؤثر في حياتنا، فنجد فيها الذكرى حياة و ليست فناء.
_ راودتها فكرة قديمة.. جملة قوية، لم تقل أتتها فكرة قديمة، فكلمة راودتها تعني أنها في ذاكرتها و لم تنساها و لم تكن وليدة اللحظة، إذ أنها من مذكرات الأم التي كتبتها بعاطفة جياشة في سجل ذكريلا ابنتها.
_ تفتح خزانتها و (تصاب بالخيبة)، رغم أنها تعلم بأنها لم تشتر ثوبا منذ ثلاث سنوات، لكن الأرق و الرغبة في التخلص منه أنساها ذلك.
_ لكنها لمحت ثوب زفافها، الاستدراك هنا قصدته استدراكا للبطلة و ليس القارئ، حيث يمكن الإستغناء عنه في القصة هنا و يكتفي بقولها(لمحت ثوب زفافها)، لكن الأديبة البارعة هنا فرضت علينا أن نعيش حالة البطلة و كأننا مكانها.
_ كمه علق بيدها، و كأنه أراد الخروج إلى النور و استنشاق الهواء الجديد، وجد حريته في كفها فتعلق به.
_ ابنتها الوحيدة، و كأنها أرادت أن تقول:
لكل أم ابنة، و لكل ابنة أم.
كل يرث الآخر، و برهنت على ذلك بأن حذاء الابنة كان مناسبا للأم، و أن الماضي يمكنه أن يتعايش مع الحاضر في صورة أم و ابنتها.
_ للمرة الثانية تقطع الأديبة سردها بقولها:
سبحان الله حتى الملابس يجب أن تتنفس، هنا وصف حالة، و بالتأكيد هو جواب سؤال كان يدور بخلد الكاتبة و المرأة بالقصة.
_ سؤال سألته البطلة في نفسها( أيعقل أن يكون ثوب عرسي ما زال مناسبا لجسمي بالمقاس؟
سؤال أجابت عنه المرآة.
_ عبارات الوصف لجسد البطلة، تدل على أنها ما زالت الأنثى التي ظنت أنها ماتت أو ذبل ورها بموت زوجها، بل أيضا وجدت ما هو أجمل و هو الوقار و ملائكية الطلة.
_ علبة بها حذاء ابنتها الذي انتعلته يوم خطوبتها، تلك الجملة لها دلالة على تصرفاتنا نحو اغراض لا نستعملها إلا نرة واحدة، مثل ثوب الخطوبة و العرس و المناسبات الخاصة و كذلك العامة في الخزانة و الأحذية أيضا نحتفظ بها في علب.
ربما نحتفظ بها و داخلها الذكرى لكي لا ننسى لحظات السعادة التي نفقدها عند عتبة الأحزان.
_ حركات مسرحية و كأنها سندريلا، وصف رائع لروح المرأة رغم كبر سنها، فالروح شابة تليق بالثوب و الحذاء.
_ أشارت للمرآة بعلامة نستخدمها دوما يقال عنها بالإنجليزية و بعاميتنا التي تعودناها (أوكيه) علامة الموافقة و الرضا.
_ تفرد الثوب على جانب السرير(البارد) و تضع الحذاء في علبته، تستلقى على السرير، تحضن العلبة، و تمسك بكم الثوب.
مشهد رائع يدل على تمسكها بالماضي رغم رضاء النوم عنها.
_ كطفلة تحلم بمجيء العيد، هنا دلالة الاستسلام للنوم كطفلة، و العيد و هو الذي يأتي بالفرحة بعد غياب، و له في نفس الأطفال شعورا و تأثرا يختلف تماما عن الكبار.
*** في القصة مشاهد و كأنها ألتقطت بكاميرا فنان منها:
_محاولة النوم الفاشلة في جملة (كلما حاولت الارتخاء في أرجوحة الحلم).
_ تفتح خزانتها……..إلى و هي تدفع أثوابها تبحث عنوقميص نوم مزهر.
_ اخرجته و وضعته على جسدها الناخل، نظرت في المرآة “لقد اصفر لونه قليلا”.
_ جمل الوصف للجسد أمام المرآة.
_ انتعلته بحركات مسرحية.
_ أشارت للمرآة بيدها.
_تضع الحذاء في علبته، تستلقي على السرير، تحتضن العلبة، و تمسك بكم الثوب و تضعه على أنفها، و تغط في نوم عميق.
***** القصة رغم أنها بدأت مأساة، إلا أنها انتهت بنصر و رضا و سعادة.
بدأت بالبطلة التي لم تستطع النوم و أنت أيضا بالنوم و كان فيها الضيف المرحب به و بشدة أيضا.
**** أخيرا القصة بحبكتها و سردها و التفاعل و الحركة فيها جعلت القارئ يعيش أحداثها فعليا، و هذا يعد نجاحا للكاتب.
تحية طيبة للأديبة و الناقدة المميزة د/عبير يحيي.
و إليكم النص الأصلي
____________________
ليلة نام فيها الأرق
لم تستطع النوم هذه الليلة أيضًا، شأنها شأن الليالي الكثيرة السابقة، رغم أنها استسلمت أخيراً لفكرة الامتناع عن تناول القهوة والشاي وغيرهما من المنبهات من بعد المغيب، كما نصحها العديد من الصديقات في محاولة احترازية لمنع الأرق من التطفل على أمنة ليلها، وإفساد صفوها مع أحلام بسيطة ما زالت على عهد قديم معها …
كلما حاولت الارتخاء في أرجوحة الحلم بعد طول استغفار وتسبيح، قضّ مضجعها لسعة باردة من لسعات هذا السرير الذي ما زاره الدفء منذ أكثر من ثلاث سنوات، يوم غادره شريكها ليبيت في سريره البرزخي، تاركاً لها هذا المنزل الصّغير الذي حوى بين جنباته أثاثاً لحياة كانت دافئة يومًا ما، “لماذا تبرد الأماكن عندما يغادرها أصحابها ؟ “سؤال طالما طرحته على نفسها مراراً وتكراراً، لتستنتج أن الأماكن تستوحش لغياب المغادرين، وقد لا تعبأ بالباقين …
راودتها فكرة قديمة، كانت أمّها رحمها الله تلجأ إليها لجعلها تنام في الليالي التي يهاجمها فيها الأرق بضراوة، وتعجز فيها أساليبها الترهيبية والترغيبية عن استجلاب النوم إلى عيني صغيرتها، بادرت إلى تنفيذها فوراً، – ” يلزمني ثوب جديد، وحذاء جديد “.
تفتح خزانتها، وتصاب بالخيبة، فهي لم تشترِ ثوباً جديداً منذ أكثر من ثلاث سنوات، منذ توفي زوجها، خلت خزانتها إلا من الأثواب السوداء أو القاتمة، قامت بتصريف كل أثوابها الملوّنة، لماذا تزحم بها خزانتها طالما أنها لن تستخدمها؟!
لكنها لمحت ثوب زفافها، الدانتيللا الأبيض، كان كمّه قد علق بيدها وهي تدفع أثوابها تبحث عن قميص نوم مُزهَّر، تذكر أن ابنتها الوحيدة أهدتها إياه في عيد الأمّ الماضي ، احتفظت به دون أن ترتديه، وفِي نيّتها أن تبقيه لمن قد يزورها من قريباتها …
أحسّت أن كمّ الفستان يتشبّث بيدها ويدعوها لإخراجه من سجنه، أخرجته، وضعته على جسدها الناحل، نظرت في المرآة، “لقد اصفرّ لونه قليلاً، سبحان الله حتى الملابس يجب أن تتنفس هواء الحرية بين الحين والآخر، حتى لا تتبدل خامتها، يجب أن تتنسّم عطر أصحابها وتلامس مساماتهم ، لتبقى منتمية إليهم، أيعقل أن يكون ثوب عرسي مازال مناسباً لجسمي بالمقاس ؟ ” تحدّث نفسها أمام مرآتها، ثم لا تتردد، تنزع ثوبها القاتم، وترتدي ثوب العرس، ” نعم ما زال مناسباً” الامتلاء الذي طرأ على جسدها بعد الزّواج ، ذهبت به السنوات الثلاث الأخيرة “. تمرّر يديها من فوق الثوب على تفاصيل جسدها، مازال قدّها مستقيماً مشدوداً، من دون كتل نافرة تفسد تناسقه ، حتى صدرها كأن الزمن ما مرّ عليه باصماً بتغيراته، بقي النهدان ثائرين لشابة في العشرينات، تتلمّس وجهها، وما زال وجه الخمسينية تكتسيه مسحة جمال طبيعي يحسدنها عليه الكثيرات ، ولعل الحزن قد أضفى عليه أيضاً شيئ من الوقار، فكان ملائكي الطلّة …
-” حسناً يلزمني أيضاً حذاء جديد يناسب ثوبي ، تطلّ من أسفل الخزانة علبة، تسارع بإخراجها، تفتحها لتجد فيها حذاء ابنتها الذي انتعلته يوم خطوبتها، ليلة واحدة فقط، ثم كان مصيره هذه العلبة، أخرجته و انتعلته بحركات مسرحية وكأنها سندريلا تُمارس حقها بقياس فردة الحذاء التي خلّفتها وراءها، لتنال بعدها سعادتها الأسطورية .
-” نعم نعم، مناسب تماماً”.
تبخترت بالثوب والحذاء جيئة و ذهاباً ، أشارت للمرآة بيديها الاثنتين، ضامة أصابعها الأربع بقبضة يد، مطلّقة فقط الإبهام باتجاه الأعلى، مع كلمة ” نعم نعم “. وابتسامة فوز و رضى على محيّاها، لتعاود نزع الثوب والحذاء، تفرد الثوب على جانب السرير البارد، وتضع الحذاء في علبته، تستلقي على السرير، تحضن العلبة، وتمسك بكم الثوب تضعه على أنفها، وتغط في نوم عميق، كطفلة تحلم بمجيء العيد …

عن misr

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>