الكاتبة المصرية  نجلاء سليمان
الكاتبة المصرية نجلاء سليمان

“مئتان جنيه”…. بقلم الكاتبة \ نجلاء سليمان

اعداد – عبير خالد

امى اريد حذاء جديدا وملابس جديدة قالت الابنة ؛لامها فنظرت ؛الام الى زوجها واذا به يدخن سيجارته ولا يكترث لما تقوله ابنته؛ فتدخل الابنة الوسطى الغرفة بحماس : وانا ايضا فقد تهالك حذائى ولم يعد جيدا , وتعالت صيحة الابن الاصغر : اريد ملابس رياضية جديدة فاصبحت ملابس تدريبى باهته اللون ارجوكى يا امى ؛فنظرت الابنة الكبرى الى ابيها قائلة : ابى الن تساهم فى شراء ملابسى انا ايضا فانت تقبض راتبا ثلاثة اضعاف مرتب امى ؛ ومازال الاب يدخن سيجارته ينهم وتركيز ثم نظر حول مقعده فى غرفة المعيشة باحثا عن الريموت كنترول وفتح التلقاز لمتابعة احدى برامج القنوات الرياضة التى تمتد لساعات وساعات ؛ ثم طلب من ابنته الكبرى كوبا من الشاى ؛ ومعه بعض الساندوتشات الصغيرة؛ حتى موعد العشاء ونظر لزوجته بغضب ؛ واردف قائلا : انا جائع ما هذا التقصير اين العشاء ؛فاردفت الام سائلة الجميع ونظرتها ؛ لابنائها : هل منكم جائع فنظروا اليه نفيا :لم تمر على ساعة الغداء الا ساعة شكرا يا امى قامت تحضر له طلبه؛ وهى تفكر كيف ستدبر طلبات الابناء ؟ فهى تجتهد فى المحافظة على مظهر بناتها وابنها ؛ ولا تتمململ وتنظم اموالها فى جمعيات قصيرة الامد ؛كل ستة شهور واخرى طويلة كل عام؛ لكسوة الصيف والشتاء ؛وكثيرا ما تستأذن احدى زميلاتها ان تؤجل دورها فى قبض اموال الجمعية للشهر القادم فبدلا من ان تقوم بصيانة سيارتها المتهالكة ستؤجلها للجمعية القادمة بعد خمسة اشهر قادمة وتمر الايام بحلوها ومرها؛ فتارة تذكر نفسها بانها أمرأة جميلة فى نهاية الاربعين؛ ومن حقها ان يكون من جهدها ومالها نصيب ؛ ولما لا وزوجها يشغل منصبا مرموقا فى احدى الوزارات؛ ولكنه كل يوم يسمعها ان فلانا ياخذ راتب زوجته كل شهر ويعطيها فقط مواصلاتها وقد يعطيها مصروفا للافطار؛ واحيانا لا … وهذا عامل الاسانسير يفعل نفس القصة؛ وعامل الخدمات المعاونة وزوجته العاملة تعطيه اموالها كل اول شهر ؛ وهى لا تفعل ذلك معه ؛ وهى تحتكم على راتبا اضعاف راتب العاملة وزوجة عامل الاسانسير حديث كل مرة تطالبه بالنظر الى ابنائه؛ وكم من الجهد والمال الخاص بها تبذله؛ من اجل مظهر االابناء المحترم من الجميع , ترفع عيناها كل يوم وترى نظرات الاعجاب بمظهرهم وتشعر بالفخر ساعة والاسى ساعات كثيرة ؛ ولا ترى فى حياتها مصدرا للسعادة غير نجاح وسعادة ابنائها ؛ولكن الى متى ستدور فى ساقية الجحود والنكران وتسقى ارضا كان من المفترض ان تكون هى جزء منها …..وكم من ليال باتت باكية من بخله حتى فى علاقته بها فالمهم هو نفسه ومتعته وعدم اعترافه اثناء لقائهما بادميتها كامرأة تسعد برجلها وتشعر بنشوة الحياة هى لحظات تعتبرها النساء مصدرا للقوة والسعادة وسريان الطاقة وتجدد المزاج ؛ ولكنها ارتضت منه بالقليل النادر .ولكن هل هى ستتخلى عن احلامها فى الحصول على الحنان والعواطف ؟ التى من المفترض انها تستحقها اى امرأة ويزيد عليها شعورا نحوهابالامتنان ؛والدعاء لها بالوفرة بالصحة والجمال والعافية؛..زهدت لقاءاته ؟؟؟؟ تجد متعتها فالعمل وبذل الجهد ؛وتكفيها نظرات الاعجاب من زملاء العمل ؛ وفى احد ايام العمل اليومى بشباك خدمة المواطنين ,لاحظت وجود شخص دائم التردد ؛على شباكها ويتعمد ان ياتى دوره لديها هى دونا عن زملائها ؛ويجلس فى صالة الانتظار ساعات طويلة يراقبها؛ وينتظر ان تخرج فى موعد الموظفين؛ ليراها يرسل اليها نظرات الاعجاب بقوامها الممشوق فى طول و هيبة ؛ يغلفها ملابس ملونة ا فى احتشام ظاهر قد يظهر احيانا مظاهر الفتنة فى خصر نحيل ونهدي مراهقة وليست اربعينية ؛ وفى احد الاسابيع اثناء قيامها بتحصيل رسوم الخدمة الحكومية, ترك لها مئتان جنيها زائدة على مبلغ الرسوم, فقامت بعد المبلغ وحررت الايصال ونادت عليه قائلة : المبلغ يزيد مئتا جنيها يا فندم . واعطته الايصال ومعه المبلغ ونظر اليها ..قائلا لا مشكلة هل يمكننى ان اساعدك فى اى عجز فى الخزنة .ده مبلغ بسيط امام دقتك وسرعتك فى العمل حدقت اليه بنظرة غضب قائلة : لا يمكن وان فعلتها ثانية ساضطر ان بلغ الادارة بواقعة رشوتك لموظف عام …خذ اموالك يا سيد مع السلامة . خرج من امامها كما لو كان دشا باردا قد صب على رأسه؛ فى صباح يوم شتاء قارس؛ وخرج مسرعا؛ متعرقا يعلوه حمرة الخجل ؛ وتسائل اى نوع من البشر انت؟ يا جميلة الوجه واليد , واى قلب يحتويه صدرك الجميل, واى عقل رزين تحتويه راسك السامق الشامخ …حقا مازالت الدنيا بخير ؛ واخذ يحدث نفسه : يااااه اى نوع من الرجال يكون زوجك ؛ مؤكد هو رجل محترم نزيه يملاء عينيها وفمها ويدها ومشاعرها , بالخير والحنان . خرجت هى تفكر, لماذا تعرضت لمثل هذا الموقف ؟ هل يظهر على اى نوع من الاحتياج او الحرمان ؟ لن ادخل على ابنائى مالا حرما ابدا ؛ الحمد لله على نعمة الستر , خرجت تركب سيارتها المتهالكة التى تسترها من عيون الطامعين ,وتصون بها كرامتها من تحرشات المرضى النفسيين من مرتادى المواصلات العامة , وقد اشترتها من مالها وتدبيرها على مر سنوات عانت من تاخيرات اتوبيس المصلحة المتهالك وصيانته المستمرة ..تركب تاكسى احيانا , و تصحو مبكرا, ساعتين قبل ازدحام المواصلات صباحا . وفى احدى اشارات المرور الطويلة فى وسط البلد لاحظت مؤشر حرارة السيارة فى تصاعد مستمر, اووه لابد ان اتوقف حالا, والا سيحدث تلفا فى (وجه السلندر) كما يقول لها الميكانيكى ؛الذى اعتادت ان ان تنقذ تعليماته. توقفت ونزلت على جانب الطريق ,وفتحت باب الموتور لسيارتها ؛ واذا بقربة المياة تفور وتغلى , وفى لمح البصر ظهر الشرطى المنظم لحركة وانسياب المرور, امرها : ان تحاول ان تدفع سيارتها الى اقرب منزل , لان كوبرى اكتوبر لا يتحمل ان تتوقف احدى حاراته فى وقت الذروة … فنزلت من سيارتها وقامت بدفع السيارة بنفسها ؛ ولما لا فهى لن تطلبب من احد شيئا ولا تريد ؛ و فجاة خرج بعض ركاب السيارات الملاكى وغيرهم , لمساعدتها ودفع السيارة الى اقربب منزل فلم تميز شيئا ,وحدث ان دخلت سيارتها لكى تتحكم فى حركتها فشدة الانحدار تولد قوة اكبر للحركة , وهو ما يسمى( بجيب الزاوية ) نعم فهى تذكر هذا القانون الذى درسنه فى مادة الميكانيكا فى الثانوية العامة .. نزلت السيارة بامان واذا بها تفاجا بان وجه احد المتطوعين يبدو ممألوفا نظرت له قائلة بدهشة : انت ؟ فرد مسرعا والعرق يتصبب من رأسه : اسف ان كنت قد آسات التعبير عن اعجابى بحضرتك يا استاذة , اسمحى لى ان اكفر عن ذنبى , اجلسى فى سيارتك ؛ معززه مكرمه ؛ وسوف احضر لكى ميكانيكى من هذه المنطقة ؛فاانا ايضا لدى سيارة ولكنى اليوم فضلت ان اذهب الى المصلحة الحكومية بتاكسى ؛ وتركته فوق الكوبرى وانصرف عندما وجدنى مصرا على دفع سيارتك . لم تكن تملك حق اختيار الرفض , ولكنها شكرته واستاذنته فى تليفون للميكانيكى الخاص بسيارتها ؛ وتحدثت فى محمولها ووصفت للميكانيكى مكانها ولكنه اجايها انه لا يستطيع مغادرة الورشة لانشغاله؛ فى تصليح سيارة اخرى؛ ولكنه افادها بان تنتظر حتى تهدأ السيارة من حرارتها المرتفعة اولا قبل ان تفعل اى اجراء …اغلقت الخظ ونظرت فى ساعتها التى تشير الى الرابعة عصرا , وهنا اخذت قرارا بان تعطيه فرصة التكفير عن ذنبه . وفى وقت قصير كان الميكانيكى الخاص بسيارته الذى يعمل فى التوكيل امامه. بقطع الغيار . فطلب منها ان تعطيه المفتاح ثم يذهبا سويا لتناول الشاى ووجبة خفيفة فى المطعم الشهير االمطل على السيارة. وقد حدث ….وبعد ساعة ونصف كانت السيارة قد تعافت تماما.. اخرجت من شنطة يدها مئتان جنيها واعطتها للميكانيكى الذى رفض تماما ,لان هذا لايصح ابدا لانه ببساطة أتم حسابه وانتهى دوره ….اندهشت لايمكن ان يكون هو نفس الشخص الذى تعمد اهانتها فى عملها منذ ساعات فليلة؟ فعلا المواقف قد تظهر عكس جوهرها رجعت ومازالت صورته امام عينها وباتت تتمنى رؤيته مرة اخرى ؛ مرت اياما وليالى وصورة الرجل القوى اللطيف التى كانت فى خيالها تتجسد فىه بكل المعانى ؛ وفى اثناء ذلك دق محمولها برقمه ؛ دخلت غرفتها واغلقت الباب ؛ ووجدت حديثا جميلا ملؤه السعادة من اول وهلة يطمئن عليها وعلى سيارتها التى يكن لها كل الامتنان فبدون عطلها لن تتاح له فرصة فى التكفير عن ذنبه ؛ وطلب بشدة منها لقاء جديدا . ولكنها ردت اتركها للايام والظروف ؛ اغلقت الخط بعد سماعها طرقا على الباب ؛وتساؤلا من زوجها لماذا تغلقين الباب ؛ ولماذا انت سعيدة هكذا ؛ هل تلقيتى مكافأة جديدة من عملك ؟ ابتسمت وهدأت فلم يفهم شيئا .. واردفت دامعة نعم … مئتان جنيها … فرد عليها: جيد هى من نصيب ملابس ابنك الرياضية .مرت اسبوعين وجاء الى شباكها بالمصلحة الحكومية ليحدث بعض البيانات ؛ التقت عيناهما وظهرت الابتسامات يعلوها ضياء السعادة ولكنها فجأه انتبهت وصمتت واكملت عملها وترك المصلحة مسرعا نظرت الى بياناته الجديدة ..غادر البلاد وسيغلق مشروعه ؛ واعلم الجهة حتى لا تتراكم عليه مصروفات حكومية جديدة . ودارت بها الايام ومرت الايام واصبحت تنظر فى وجوه جميع من يرتاد شباكها …فقد ياتى يوما ما ….. ومازالت فى قيد الانتظار

عن misr

3 تعليقات

  1. دام ابداعك و قلمك و احساسك الجميل الراقية نجلاء سليمان . . . بخفة و جمال تسردين مشكلة كبيرة و خطأ فادح يتجاهله السادة الرجال …

  2. دام ابداعك و قلمك و احساسك الجميل الراقية نجلاء سليمان . . . بخفة و جمال تسردين مشكلة كبيرة و خطأ فادح يتجاهله السادة الرجال …

  3. د. احمد الباسوسي

    “واصبحت تنظر فى وجوه جميع من يرتاد شباكها …فقد ياتى يوما ما ….. ومازالت فى قيد الانتظار”. تلك هي المفارقة المدهشة التي تبلغنا بها الكاتبة في قصتها الجديدة مائاتا جنيه، والكاتبة عرضت حكايتها في سياق المشاعر السلبية لبطلة القصة تجاه زوجها وشريكها في الحياة، تعيش حياة بائسة في كنف زوج “احترق نفسيا” لم يعد يبالي بأي شيء سوى متعته الشخصية واستلقاءه امام التلفاز في المساء لمتابعة الأحداث الرياضية، بخيل جدا عاطفيا وماديا، ورغم ذلك تقود بطلة القصة سفينة الأسرة بطريقتها الخاصة حتى ظهر أحدهم الذي يفتن بأناقتها وشياكتها وجمالها اللافت وتميزها مقارنة بنظرائها من زميلات العمل. عرض عليها الإعجاب والمال، واجهته بشراسة ملفتة وكادت تسلمه للشرطة، وبعد حين تعرضت لمأزق مروري صعب مع سيارتها، انشقت الأرض عن وجه، ساعدها، اعتذر لها، امتن لروعتها ونظافتها وانصرف، قبلها المضطرب المشحون بالانفعالات السلبية والاحباطات من جراء العلاقة مع زوج سلبي انتهت صلاحيته بدأ يخفق بالأمل في امكانية استرداد الحياة من جديد. وهنا تحدث المفارقة الدرامية في هذا النص القصصي المتميز، بدات تشعر بالراحة، وتتلهف شفغا بحثا عن وجهه او وجه رجل مثله يدرك جيدا داخلها ويحرك مشاعرها التي انسحبت منها يأسا، وامنية صاخبة بداخلها لعله يكون ذلك الرجل أبو الاولاد الذي يرقد مسترخيا أمام التلفاز لاهم له سوى الطعام. القصة مميزة، ومستويات الحكي جيدة، وتمنياتي بالتوفيق للكاتبة NA Soleman في اعمال قادمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>